السبت 13 تموز 2024

لبنان ومنذ 1948 تحول الى منفى للشعوب في شرق المتوسط

الجمعة 17 أيار 2024
المهندس طارق صقر
رئيس مجلس حزب الكتلة الوطنية اللبنانية

تحتار من أين تبدأ عندما تراقب التطورات الجيو سياسية التي رافقت نشأة الدولة اللبنانية منذ ١٩٢٠ وكيف تدرجت الأمور حتى العام ١٩٤٨ عندما تسببت الحرب الإسرائيلية العربية الأولى بموجة اللاجئين الفلسطينيين، وصولاً الى العام ١٩٦٩ الذي شهد توقيع اتفاق القاهرة الذي أدخل لبنان في نفق حروب ومآسي لا نزال نعاني منها، ومنه الى عام ١٩٧٥ موعد الحرب اللبنانية ودخول القوات السورية، حتى العام ١٩٨٢ ودخول اسرائيل، إلى عام ٢٠٠٠ وقت كُشف الوجه الحقيقي لح -Z - ب الله، وصولاً الى موجة النزوح السوري منذ عام ٢٠١١ وحتى يومنا هذا.

الأمر الواضح أن لبنان كان يتم إضعافه وجعله من دون هيبة عند كل محطة تغيير، فالرئيس اميل اده والذي رأى أن الوجود الصهيوني في اسرائيل سيكون له عواقب وخيمة على لبنان، هرع عام ١٩٣٦ الى توقيع معاهدة مع فرنسا تتعهد فيها الأخيرة بالدفاع عنه عند أي تهديد لسيادته، إلا أن اللوبي الصهيوني في فرنسا ضغط على مجلس النواب الفرنسي ولم يوقعها، أما الانكليز فرأوا بالخطوة الذكية الإستباقية التي قام بها الرئيس اده جرس إنذار، فعمدوا الى تأمين وصول بشارة الخوري الذي كان مطواعًا بيد الجنرال سبيرز الى منصب رئاسة الجمهورية، وكان بشارة الخوري عام ١٩٤٨ رئيس الجمهورية الذي سمح بدخول آلاف الفلسطينيين الى لبنان وجعله مكبًا لعملية نشأة دولة إسرائيل...

أواخر عام ١٩٧٣ أجرى وزير الخارجية الأميركي هنري كيسينجير إمتحانًا سياديًا على لبنان، وسقط فيه الرئيس سليمان فرنجيه سقوطًا مريعًا باستقباله وزير خارجية أميركا في مطار رياق العسكري عوضًا عن مطار بيروت خوفًا من تهديد لا وجود له زرعته الإستخبارات الأميركية لترى كيفية تجاوب السلطة اللبنانية معه، أما هدف التجربة كان تمرير عملية السلام الإسرائيلية -المصرية بعد حرب الـ٧٣ (والتي كانت تجول في رأس كيسينجير وكانت معاهدة كامب ديفيد ثمرتها)، بتقديم الوطن اللبناني جائزة ترضية لحافظ الاسد بديلاً عن إنسحاب اسرائيل من الجولان، بعدما كان مقررًا مسبقًا أن تنسحب الأخيرة من سيناء المصرية كما كانت تنص فكرة إتفاق السلام بينهما آنذاك...

هذا هو تحديدًا ما يريدون من لبنان منذ ١٩٤٨وطنًا من دون هيبة ولا سيادة يُستعمل منفى للشعوب بعد كل عملية سياسية أو عسكرية كبيرة، فعدم نزع سلاح ح - Z - ب الله في اتفاق الطائف، ذلك البند المسموم الذي سمح بوجود سلاح في موازاة سلاح الدولة اللبنانية اتى مفعوله كنتيجة السماح بسلاح الفلسطينيين في اتفاق القاهرة، كاسرًا هيبة دولة وسامحًا بفلتان حدود أدى الى موجة نازحين سوريين بالملايين وتحول لبنان الى منفى للشعب السوري بعدما عام ٢٠١١ بعدما كان منفى للشعب الفلسطيني عام ١٩٤٨.

عند كل عمل جيو سياسي كبير كما يحصل اليوم في غزة تتبعه تحركات ديموغرافية كبيرة، وهنا يحاول الإيرانيون (علنًا) والإسرائيليون (ضمنًا) سوية إضعاف مصر لكي تقبل أن تكون منفى للشعب الفلسطيني، فالحوثيون أضعفوا بغاراتهم على السفن إيرادات قناة السويس والتي تدر عملة اجنبية مصر بحاجة ماسة اليها وجعلوا من إقتصاد مصر كعب آخيل لكي يضعوها تحت رحمة المانحين المتحكمين الدوليين.

لقد بات واضحًا إن اسرائيل وايران وبعد مسرحيتهم الأخيرة التي حملت عنوان "قصف صاروخي متبادل" أخذوا بركة العالم الغربي الذي قرر السير بمشروعي الدولتين الدينيتين على حساب الدول العربية التي لا يجمعها مشروع، وهذا ما بدأوا يقومون به. وما رأيناه تحديدًا في كيفية طريقة التعاطي مع لبنان، فهم لا يهمهم أحد سوى مصالحهم وإبقاء اللاجئين من حروب لم يوقفوها في أراض أوطان ممزقة مُستعملة منذ ١٩٤٨ كمكب للشعوب ويديرها مسؤولون فاسدون، وهم يعلمون تمامًا نقطة ضعف السياسيين اللبنانيين في الحكم فأعطوهم ما يعبدون: المال.

ما هو لافت للنظر في تسلسل التطورات الميدانية أنه حيث توجد قوة موالية لإيران على حدود إسرائيل تأتي الأخيرة وتدمر مكان وجودها وتهجر شعوبها وتستولي على أراضيها، ها هي حماس بهجوم ٧ اكتوبر قدمت أرض وشعب غزة هدية لإسرائيل على طبق من فضة، وها هو ح - Z - ب الله بحربه يستدعي اسرائيل نحو الليطاني مضحيًا بشعبه وأرضه، وكأن ايران تشتري وكالة أرض عربية مدعية أنها تحارب اسرائيل بينما الحقيقة أنها تهبها إياها لكي يُستكمل مشروع إسرائيل الكبرى.

في المحصلة ومنذ قيام دولة اسرائيل ولبنان مكب لفضلات حروبها وجوائز ترضية لسلامها، وثبت اليوم وخصوصًا بعد المسرحية الأخيرة والتي تبنتها الولايات المتحدة أن إسرائيل وايران وبمباركة غربية اختارتا أن تكونا حلفاء سرًا أعداء علنًا تُدّفعان البلدان العربية وشعوبها اثمان خلافهما واتفاقهما، الأولى من أجل مشروع إسرائيل الكبرى، والثانية من أجل مشروعها النووي.

في النهاية يجب الإنتباه على مصر والأردن جارتي إسرائيل، كي لا يتحولا الى مصير لبنان وسوريا، فليس من الصدفة بشيء أن تكون البلاد المجاورة لإسرائيل تعاني من كسر في وحدتها الوطنية وسيادتها الأمر الذي يسهل قضم أراضيها... واليوم بتنا نفهم أكثر لماذا أراد باراك أوباما أن يحكم الاخوان المسلمون مصر، لكي يصبح أسهل فتح أبواب سيناء أمام الشعب الفلسطيني الذي تحكمه حماس الخارجة من رحم الإخوان لدى تهجيرهم من غزة، أما الملفت للنظر إن الإخوان كانوا ولا يزالوا أقرب الجهات الدينية السياسية الى إيران.

ما يشفع للأردن ومصر إن حكامهم الحاليين لا يشبهون الحكام اللبنانيين بشيء، فهم يُفضلون أوطانهم على أموالهم...