الجمعة 14 أيار 2021

الخوري اسطفان الخوري: لا داعي للهلع من الجراد... لا لم يكن هو سبب مجاعة أهالي جبل لبنان خلال الحرب... لقد كانت محاولة إبادة تعرضوا لها...

الثلاثاء 27 نيسان 2021

ماري حنّا – خاص موقع Jbeil Daily News ©

حالة من الهلع سادت المناطق اللبنانية كافة منذ أن بدأ الحديث عن وصول أسراب من الجراد إلى لبنان.

وهذا الخوف مردّه إلى ما تختزنه الذاكرة الشعبية من معلومات مخيفة عما فعله الجراد خلال الحرب العالمية الأولى والذي أكل الأخضر واليابس وتسبّب بمجاعة ضربت سكان جبل لبنان، وقتلت أعدادًا هائلة منهم.

هذه المعلومات ليست دقيقة بما يكفي، ولم يكن الجراد هو سبب موت اللبنانيين يومها.

الخوري اسطفان ابراهيم الخوري ابن قرطبا، وثّق في كتاب صدر له «مجاعة أهالي جبل لبنان» الأسباب الرئيسية لتلك المجاعة، وما كان دور الجراد فيها.

وفي حديث خاص معه لموقع Jbeil Daily News، يقول: «علق بأذهان الشعب اللبناني من خلال الكتب المدرسية التي درسوا فيها، خصوصًا كتب التاريخ، أن أسباب المجاعة التي حلّت في جبل لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى وما نتج عنها من وفيات وصلت إلى حدّ ثلث سكان جبل لبنان، أن أحد أسبابها الرئيسية هو «الجراد».

هذه القراءة التي بقيت في أذهان الناس، هي قراءة جمال باشا لما حصل من مجاعة، وهي قراءة غير واقعية. في الواقع أنه في شهر أيار عام 1916، كان الموارنة في مصر وبلاد الاغتراب، والفرنسيون أيضًا، يسمعون عن عملية تجويع متعمّدة يتعرض لها سكان جبل لبنان ولم تكن تصل إليهم أخبار دقيقة وكانوا بحاجة إلى من ينقل لهم الأخبار بشكل صحيح، فتواصلوا مع المطران دريان في مصر الذي كان مطران الموارنة هناك، وطلبوا منه إيفاد شخص إلى جبل لبنان المحاصر من قبل السلطنة العثمانية بقيادة جمال باشا في المنطقة، وينقل لهم الأخبار الدقيقة عن الوضع، فأوفد المطران دريان القس بطرس الخويري من الرهبانية الحلبية (المعروفة اليوم بالرهبانية المارونية المريمية) والذي كان موجودًا في مصر عند المطران دريان، فدخل القسيس الخويري إلى جبل لبنان بطريقة سرية عبر الشاطئ اللبناني لاستطلاع الأوضاع ونقلها إلى مصر وإلى الفرنسيين والمغتربين...

وفي 19 أيار 1916، وبعد محاولات كثيرة لإمكانية خروجه من جبل لبنان باءت كلها بالفشل، تمكن القس الخويري أخيرًا من الخروج، ولما أصبح في عرض البحر لاقاه الفرنسيون، فأعلمهم أن عملية تجويع مقصودة يتعرض لها أهالي جبل لبنان بهدف إبادتهم، ونقل لهم عن لسان أنور باشا، وهو أحد ثلاثة أشخاص كانوا يحكمون السلطنة العثمانية حينها قوله: «أبدنا الأرمن بالسيف والنار وسنُبيد أهالي جبل  لبنان بالتجويع».

ويُضيف الخوري اسطفان لموقعنا: ولما انتشر الخبر ما بين الفرنسيين واللبنانيين في مصر عمّموه في العالم كله وهبّت دول العالم المحايدة، وعلى رأسهم الكرسي الرسولي والنمسا والولايات المتحدة وغيرها... واتهموا السلطنة العثمانية بمحاولة إبادة أهالي جبل لبنان من خلال تجويعهم.

أمام هذا الخبر ما كان من جمال باشا إلاّ أن استدعى البطريرك الماروني إليه، فحضر من قبله المطران عبدالله خوري، فأعلن جمال باشا أمامه أنه ليس هو المسؤول عن مجاعة أهالي جبل لبنان، بل الجراد، وليس هو من أوفد الجراد إلى جبل لبنان، ولا هو مسؤول عن المجاعة، بل من يتحمل المسؤولية هم من حاصروا البحر ومنعوا دخول أموال المهاجرين إلى أهلهم، أي الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا.

وأردف الخوري اسطفان مضيفًا: هذه القراءة التي أطلقها جمال باشا ليُبعد المسؤولية عنه في مسألة تجويع الشعب اللبناني، ما زالت سائدة حتى اليوم.

بالطبع أن الجراد كان له دور في تفاقم ضيق المعيشة لدى أهالي جبل لبنان، وهو وصل في نيسان عام 1915، كما هذه السنة (2021) إذ أتى الجراد إلى لبنان في نيسان أيضًا. ولدى وصول الجراد يومها إلى جبل لبنان أكل المواسم الزراعية التي كانت بدأت تنبت، ولحق به سرب آخر في حزيران، وسرب ثالث في تشرين الثاني من العام نفسه، ومع بداية عام 1916 اختفى الجراد نهائيًا من لبنان، ولم يعد إليه بعدها إطلاقًا خلال سنوات الحرب التي شهدت المجاعة وموت الناس أي ابتداءً من عام 1916 حتى أواخر عام 1918.

بالحقيقة أن الجراد أثّر على المنتوج الزراعي خلال عام 1915، وهذا ما جعل الأهالي خلال عام 1916 دون «المونة» التي كانوا يحضرونها في كل سنة، وهي تكفيهم لمدة ثلاثة أشهر فقط، كان اتكالهم دومًا على ما يَرِد إلى الجبل من الداخل، أي السهول الداخلية التي كانت السلطنة العثمانية تضع يدها عليها، ولم تكن تابعة يومها لمتصرفية جبل لبنان (سهلي البقاع، سهول الجنوب والشمال وعكار وغيرها، وأيضًا سهول سوريا الداخلية).

وبالتالي أمام الضيق المعيشي الذي أصيب به أهالي جبل لبنان بسبب الجراد، لم تبادر السلطنة العثمانية لإغاثتهم، وهي كانت مسؤولة عنهم وعن إدارة شؤونهم، بل هي سُرّت بما حصل، وحاصرت الجبل ومنعت دخول المؤن إليه من السهول الداخلية، مما تسبّب ببداية موت الناس من المجاعة.

ولكن الأمر البالغ الأهمية والذي يجب أن ننتبه إليه هو أنه منذ بداية عام 1916 لم يعد الجراد موجودًا، ولكن المجاعة القاتلة استمرت حتى أواخر 1918، وأسبابها كانت مرتبطة بالحصار البري الذي أطبقته السلطنة العثمانية على أهالي جبل لبنان والتضييق عليهم من كل جهة، أكان من خلال مصادرة مواشيهم، أو غلال أرضهم، أو قطع أشجار أحراجهم، أو من خلال مصادرة جميع وسائل النقل لديهم، إضافة إلى منع دخول المواد الغذائية إلى جبل لبنان من السهول الداخلية.

وختم الخوري اسطفان بالقول: من هنا إذا كان لدينا اليوم دولة حريصة على شعبها وحريصة على إدارة شؤون شعبها حتى ولو وصل الجراد يمكنها مكافحته، وإن لم تتمكن من مكافحته فهي قادرة على تأمين المواد الغذائية لشعبها، في حال أصيبت منتجاته الزراعية بالأذى بسبب الجراد.

وبالتالي الشعب اللبناني اليوم مدعو إلى عدم الخوف من الجراد بحدّ ذاته، رغم أنه مضر بالمواسم الزراعية، بل الخوف من الدولة إذا كانت لا تُحسن إدارة الأزمة التي يمر بها لبنان، وهي إذا لم تُحسن إدارة الأزمة، يكون الجراد مساهمًا في تفاقمها وتفاقم الضيق الذي يعاني منه الشعب مما قد يوصله إلى المجاعة بأشكالها المختلفة.