الخميس 06 تشرين الأول 2022

الجيشُ اللّبناني في عيده الـ٧٧ ودوره في ظلِّ الإصلاحاتِ الإقتصاديةِ المطلوبة

الأربعاء 03 آب 2022

عندما يُحكى عن ضرورةِ تخفيفِ أعباء القطاع العام والعدد الكبير لموظّفيهِ على الدولةِ وميزانيّتِها للسّيرِ بالمفاوضاتِ مع صندوقِ النقدِ الدولي، يجب أن يستندَ هذا الأمر على تحديدِ أولويات الإصلاح التي من غير الممكن أن تشملَ إجراءاتِه المؤسسةَ العسكرية في الوقتِ الحاضر.

هذا الأمر ليس متعلّقًا بالمهمّةِ الأساسية، أو بالمهمةِ الوحيدة التي تحدّد عملَ الجيش حسب المفهوم الغربي والطبيعي فحسب، وهي الدّفاع عن الحدود وعن أيِّ تهديدٍ يطرأ على سيادةِ أراضي الدولة. بل يتصلُ أيضًا بالمهماتِ الاستثنائيةِ الواقعةِ على عاتقِ هذه المؤسسة، التي تكادُ أن توازيَ بأهميتِها وظيفتَها الأساسية. فإذا كانت هذه الأعمالُ تبدو بسيطةً للبعض، إنّما لديها أبعادٌ في الواقع ولّدت مفهومًا لبنانيًا لعملِ الجيش وهو الحفاظُ على الدولةِ اللبنانيةِ ووحدةِ أراضيها وشعبِها ونظامِها البرلماني الديمقراطي، عكس ما يتخيّلهُ بعض المتخوّفينَ من "عسكرةِ" النظامِ السياسيِّ للبنان.

وهذا التخوفُ ينبعُ من عدمِ فهمِ حقيقة الوضع اللبناني الاستثنائي الذي يحفظُ الحرياتِ الفرديةِ والعامةِ من جهةٍ ويضمنُ خصوصياتِ الطوائفَ من جهةٍ أُخرى مع كل ما يتضمن ذلك من تناقضاتٍ وتوازناتٍ دقيقة.

ففي الواقعِ حصلَ إجماعٌ حولَ دور الجيش من بعدِ انتهاءِ الحربِ الأهلية حتى أيامِنا هذه، لم يعرفه قبل ذلك، من قِبَلِ السياسيّينَ والمواطنينَ اللبنانيّينَ من شتّى الانتماءاتِ الحزبيةِ والطائفيةِ والمناطقية. و هذا الأمرُ ينطبقُ أيضًا على القوى السياسيةِ المعارضة للنظامِ القائمِ بمرحلةِ الوصاية السورية على لبنان  من سنة ١٩٩٠ حتى سنة ٢٠٠٥. فبالفعل لم تحمّل أبدًا هذه القوى في مظاهراتِها الشّعبيةِ والطلابية، آنذاك، المؤسسةَ العسكرية، مسؤوليةَ الاعتقالاتِ بحقِّ مناصريها، بل كانت تربط هذه التّصرفات بالسلطةِ السياسيةِ القائمة في ذلك الوقت. لا بل كان يهتفُ الموقوفونَ وهم في طريقِهِم إلى الاعتقالِ بشعاراتٍ مؤيّدةٍ للجيشِ ويطالبونَهُ بممارسةِ دوره ِعلى أكملِ وجه. من جهةٍ أخرى، لم تتوانَ القوى الحزبيةُ التي كانت تُطالبُ بإصلاحٍ النّظامِ السياسيِّ القائمِ قبلَ اتفاقِ الطائف، عن دعمِها المطلَقِ للجيشِ ولتسهيلِ مهماتِهِ على الأراضي اللبنانيةِ من بعد إلقاءِ السلاحِ من قِبَلِ الميليشياتِ التابعِة لها. و عكس ما كانت تنادي أيام الحرب الاهلية، بتقسيمِ المؤسسةِ العسكريةِ على أساسٍ طائفي، تركَت مسؤوليةَ دمجِ الألويةِ على قيادتِها التي نجحت بكسرِ الحواجزَ الطائفيةِ وبالتالي بإعادةِ بناءِ الجيش ليتطوَّرَ ويصلَ إلى المستوى الحِرَفيِّ الذي بلغَهُ اليوم.

بالعودةِ إلى المهماتِ الاستثنائيّةِ التي تقعُ على عاتِقِها، فتحافظ المؤسسةُ العسكريةُ على السِّلْمِ الأهليِّ بانتظارِ تأمينِ المستلزماتِ الكافيةِ للمديريةِ العامّة لقوى الأمنِ الداخلي لكي تتسلّمَ مسؤولياتِها بشكلٍ كاملٍ بضبطِ الأمنِ داخل الأراضي اللبنانية، وذلك يشعر المواطنينَ بطمأنينةٍ وارتياحٍ عكس ما يمكن أن يتوقّعه البعض عند تكليفِ أيّ جيشٍ بهذا النّوعِ من المهمات.  ففي معظم الدول الغربية مثلًا، يُعتبرُ هذا الإجراءُ استثنائيًا جدًا، محدوداً في المكانِ والزمانِ لِئلا يمثّلَ ذلكَ اعتداءً على الحريات. أمّا في الدولِ التوتاليتاريةِ يُنظرُ إلى الجيشِ كمدافعٍ عن نظامٍ سياسيٍّ ورؤسائِه و ليس عن شعبٍ وخصوصيّاتِه. ومرة أخرى تكمنُ الخصوصيةُ اللبنانيةُ في نظرةِ الشعبِ وعلاقتِهِ المميزةِ بجيشِه.

أضف إلى ذلك، قيام الجيشِ اللبنانيِ بدورٍ أساسيٍّ على صعيدِ الإنماءِ والإغاثةِ كما يحصل مثلًا بالمساعدةِ في إطفاءِ الحرائقَ التي من المفترضِ وقوعِ مسؤوليّتِها على المديريّةِ العامةِ للدفاعِ المدنيِ أو فوجِ الإطفاءِ حصرًا، اللذين لم يوفروا عناصرهما جهدًا واستشهادًا، لضمانِ سلامة المواطنين وذلكَ بإمكانياتٍ محدودةٍ جدًا لا تسمح لهم بتأديةِ دورهِم بالشكلِ المطلوب. و يقومُ بمهمةِ مسحِ الأضرار عند وقوعِ الكوارثَ وبتوزيعِ التعويضات على المتضرّرينَ الذين تعرّضَت ممتلكاتِهم للتكسيرِ والتّدميرِ كما حصل من بعد انفجار المرفأ في ٤ آب ٢٠٢٠، بعدما كلّف من قِبلِ الحكومة بصرفِها. كما يضمنُ الجيشُ سلامةَ إجراءِ الانتخاباتِ النيابيةِ والبلدية، وسلامةَ إجراءِ الامتحاناتِ الرسمية، والاحتفالاتِ الدينية والوطنية إضافة إلى عددٍ كبيرٍ من المهماتِ اليومية التي لم يكُن قد كُلِّفَ بها لو لا الحاجة الماسة إليه وإلى خبرة ضباطه وعناصره.

فنظرًا إلى هذه العلاقةِ التي تجمعُ الجيشَ بالشّعب، من الطبيعيّ أن يُظهرَ المواطنون تعلّقَهم بهذه المؤسسةِ الوطنية كما شهِدنا مؤخرًا في المخيماتِ التي نظّمتها قيادته للتلامذةِ الثانويّينَ في بعضِ المدارس الذين عبّروا عن سرورِهم و حماسهم أمام الصحافّيين والمراسلين الإعلاميين. و يمكن أن يفسح ذلك بالبحث في إعادةِ العمل بخدمةِ العلمِ بطريقةٍ حديثةٍ ومتطورةٍ تسمحُ للشابات والشباب بالاستمرارِ بتأديةِ عملِهم من جهة وتضمنُ الانصهارَ الوطني من جهةٍ أخرى في ظلّ الجنونِ الطائفي الذي يشهدُهُ لبنانُ والدعواتِ وخاصة تلك الداعية إلى التّقسيم.

وماذا عن دورِهِ الأساسي؟ فإذا كانت الدّولُ المانحةُ لا سيّما الولايات المتحدة الأميركية تشدّدُ دائمًا على أهميةِ دور الجيش باستمرارِها بدعمِها المطلق له عبرَ التجهيزِ والتدريبِ والمساعداتِ كما فعلت دولة قطر أيضاً مؤخراً، فلأنها تعي أنّه أصبح شريكًا فعليًّا في الأمنِ الإقليمي. وقد برهنَ ذلك في مكافحَتِهِ الفاعلة للإرهابِ من خلالِ العملياتِ النوعية التي قام بها والتي استشهد أثناءها عدد من خيرةِ ضباطِه وأفراده. نذكر من هذه العمليات على سبيلِ المثال أحداث سنة ١٩٩٩ في منطقةِ الضنية، والحرب على منظمةِ "فتح الإسلام" التي تمركزت في مخيّم نهر البارد سنة ٢٠٠٧ و أخيرًا الانتصار التي أحرزَتهُ المؤسسةُ العسكريةُ في عمليةِ "فجرِ الجرود" على تنظيمِ "الدولة الاسلامية” سنة ٢٠١٧ على الحدودِ الشرقيةِ للبنان.

كما يشكل الجيش ضمانةً لتطبيقِ قرارِ مجلسِ الأمن رقم ١٧٠١ المتعلق ببسطِ الأمنِ في جنوبِ لبنان في ظلِّ ترسيمِ الحدود البحرية والخطر الذي يحدق جرّاء أيّ نزاع  قد يحصل في هذه المنطقة وتبعاته المحتملة الكارثية على صعيدِ الأمن الإقليمي والخارجي. من هنا يجري الحديثُ عن ضرورةِ إقرارِ استراتيجية ٍدفاعيةٍ لحمايةِ لبنان من العدوانِ الاسرائيليِ تتضمنُ بسطَ سيادةِ الدوّلةِ اللبنانيةِ على كاملِ أراضيها و بالتّالي حصر السلاح بِيَدها لتملِكَ وحدها قرارَ الحربِ والسلم.

مهمةٌ إضافية تسجَّل له هي ضبط الحدود البحرية في ظلِّ محاولات بعض العصابات تأمين إمكانياتٍ للهجرةِ غير الشرعية، غير آبهةٍ بأمنِ وسلامةِ الرّكاب التي تعرّضُ حياتَهم وحياةَ ذويهم للخطرِ مقابل مبلغٍ من المال كما تعرّضُ الدولةَ اللبنانيةَ ومواطنيها للتّشددِ ولعقوباتٍ وقيودٍ على السّفر يدفعون ثمنها من وراء تلك الممارسات. أخيرًا وليس آخرًا أثبتت قيادةُ الجيشِ عن فعاليّتِها من خلالِ عزمِها على مكافحةِ تجارة المخدرات التي لم تشكل خطرًا أمنيًا واجتماعيًا على اللبنانيّينَ فحسب بل على علاقاتِهم الدّوليةِ والاقليميةِ لا سيّما العربيةِ منها.

في ظلِّ هذه الأوضاع الاستثنائية التي يمرُّ بها لبنان، وضرورة القيام بإصلاحاتٍ بنيويةٍ جذريةٍ في إداراتِ الدولة، لا يمكن التفكير بصورةٍ مبسّطةٍ وتقنية ومعلبة أحيانًا بفرضِ هذه الاجراءاتِ على الجيش، علمًا أنّه قد يساعد بشكلٍ كبير على تطبيقِها نظرًا للدور الاستثنائي الذي يقوم فيه.

من بعد إصلاح القطاعات التي كانت بحاجة إلى مؤازرته، وهذا يتطلب وقتًا طويلًا، يمكن البحث بتخفيضِ عدد عناصره وحصرِ مهمتهِ بدورِهِ الأساسي والطبيعيِ وهو الحفاظُ على أمنِ الحدودِ والحفاظ على سيادةِ الدولة وذلك من ضمنِ برنامجٍ يسمحُ للمسرّحينَ بالانخراطِ بشكلٍ كاملٍ بالحياةِ الإقتصاديةِ.

إنّ أيّ بحثٍ في هذا الأمرِ في الوقتِ الحاضر، وخاصةً في ظلِّ المخاطِر المحدقة بلبنان ومنطقةِ الشرق الأوسط هو ناتجٌ عن قراءةٍ غير واقعية. ففي ظلِّ هذه الظروفِ من المطلوبِ تعزيز دور المؤسسةِ العسكريةِ وإبعادِها عن التجاذباتِ السياسيةِ  كما يحصل بالموضوع المتعلق بصلاحياتِ المحكمةِ العسكريةِ التي يجب اختصار دورها على القضايا المتعلقةِ بأمنِ وضباطِ وأفرادِ الجيش، كما لا يجب اقحامها بالحساباتِ الطائفيةِ مثل ما حصلَ بقضيةِ تأخيرِ ترقية الضباط، خريجي الكليةِ الحربيةِ سنة ١٩٩٤، بحجةِ تشكيلهم خللًا على صعيدِ التوزيعِ الطائفي. علمًا أنّ هكذا تدبير قد يتسبُّب بضربِ معنويّاتِهم و معنوياتِ رفاقهم الذين لا يرضونَ بإجراءات مجحفة كهذه، كما أنّها بدأت تولّدُ إشكالياتٍ جديدة عند خريّجي الدوراتِ اللاحقةِ وعلى هرميةِ المؤسسة وعملِها وانتاجيتِها. و يتمثل هذا الأمر اليوم بشغور بعض المراكز الحساسة التي تتطلّب ضباطاً من رتبٍ محددة لتبوئها جرّاء إحالةِ المكلّفينَ بها إلى التقاعد.

من الضروري ان يبقى الجيش فوق الشبهات و يستمر بسياسة الشفافية و المصداقية الكاملة لضمان استمرار النجاحات كما التي احرزها على كافة الاصعدة منذ ان استلم المهمات المعهودة اليه، ليحافظ على وحدة لبنان و يبسط سيادة الدولة على كامل أراضيه في ظل التحديات الأمنية و الاقتصادية الاستثنائية التي يواجهها.
 
فريديريك خير
مستشار سياسي

سليم إده شكر لنواب قوى التغيير ثقتهم: سأكون في خدمة لبنان والإنسان فيه بعيدًا من أي سعي إلى المناصب

الجمعة 30 أيلول 2022
شكر سليم إده

سليم اده نال 11 صوتًا في الدورة الأولى... من هو؟

الخميس 29 أيلول 2022
نال سليم اده 11 صوتًا في الدورة الأولى لانتخاب رئيس جمهورية.